هذه مجموعة ملاحظات على تدوينة عضوان الأحمري “ماذا يفعل السعوديون في تويتر؟”، أكتبها انطلاقا من كوني أنا الذي قمت بفتح هاشتاق سعود الريس (alrayes#) بعد كتابته لمقالته- التي يحرض فيها الحكومة على الذين يختلفون معه بموضوع “المعتقلين” واصفا إياهم بـ”الصفويين” وأنهم “خطر” موزعا عليهم قائمة الأوصاف التالية: فاشل، رقاصات، ببغاء، سطحي، صعلوك، فهمه قاصر- رقاصات pus..!. إذ أن عضوان وصف عملية “الهشتقة” هذه وأمثالها بأنها “حيلة العاجز في الإعلام الإجتماعي” معتبرا أن فتحه من أجل مهاجمة الأشخاص “قمة الرعونة والإقصاء”، ثم يعود ويكرر أن “الهاشتاق حيلة العاجز, وحتى لو لم يشتم فإنه فتح الباب لغيره ليشتموا ويتشمتوا كذلك”. من هذه الفقرات تحديدا، أحسست أني بمعنى ما معني بهذا الكلام، ولهذا أحببت مناقشة عضوان الأحمري – بتدوينة هذه المرة لأنه يبدو أن لديه حساسية مفرطة من الهاشتاق- في عدة نقاط مختلفة باختلاف المواضيع التي تطرق إليها. فهو تقريبا تحدث عن ستة مواضيع متنوعة ومختلفة، كلها تقريبا لا علاقة بينها وبين عنوان التدوينة، فأنت ستخرج من تدوينته بأشياء كثيرة لكنك لن تخرج منها بإجابة واضحة عن ماذا يفعل السعوديين في تويتر(وكأن السعوديين نوع مختلف من البشر بحيث سيفعلون في تويتر شيئا آخر غير ما يفعله باقي البشر)، فهو تحدث تقريبا عن هذه المواضيع:
١-الانقسام في تويتر بين من يدعوهم “الصحفيين” و”الحقوقيين”.
٢- عن آداب وأخلاقيات استخدام الهاشتاق.
٣- عن الصحافة ومتى يكون المرء صحفيا، ومحاربة الاستهزاء في الصحافة.
٤- عن نفسه وأخطائه الصحفية ولماذا كتب ما كتب كتدوينة ولم يكتبه كمقال.
٥- الخلاف حول مقال “فيسك”.
٦- عدد المتابعين في تويتر وأنه ليس معيارا للجماهيرية.
كما هو واضح، فعضوان (الله يهديه) الذي يتعالم بمعرفته بكتابة (الخبر) و(التحقيق) وما إلى ذلك، لا يستطيع أن يكتب تدوينة يجيب فيها عن السؤال الذي وضعه عنوانا لها، بل لا يستطيع أن يبقى في موضوع واحد داخل هذه التدوينة، بل يتنقل بين المواضيع فيها بطريقة فوضوية تقتل كل معنى أو رسالة يمكن أن نفهمها منه. كل ما نعرفه من هذه التدوينة أنه “ضايق صدره” وأنه “شايل بخاطره” لكن لا نعلم بالضبط ماذا يريد سوى بعض الفقرات الوعظية من قبيل التقارب ونبذ الخلاف والابتسام وترك لغة التخوين وما إلى ذلك. وعلى الرغم من كل هذه الفوضوية في الطرح، وانعدام الرسالة والفكرة الواضحة، إلا أنه في التفاصيل التي أوردها، قدم مجموعة من المغالطات والأخطاء الغريبة جدا، وهي التي سأناقشها هنا طالما أنه لا توجد فكرة عامة من التدوينة:
– مسألة التفريق بين “الحقوقيين” و”الصحافيين”: لا تدفع قارئها إلا إلى الضحك. هل يمكن أن أقابل بين “المهندسين” و “الحقوقيين”؟ أو بين “الأطباء” و”الحقوقيين”؟ لا أعلم تحديدا ما هي العلاقة بين مهنة كالصحافة وبين موقف سياسي يختار الدفاع عن الحقوق في وجه التجاوزات القانونية والظلم؟ مثلا عضوان الأحمري يعتبر نفسه “صحفي” ولكنه أيضا أحد الذين وقعو على أحد البيانات المطالبة بإصلاحات سياسية الذي دفع جريدة الوطن – التي تصوّر نفسها أنها الصوت التقدمي في البلاد- إلى إيقافه ومجموعة معه عن الكتابة: فهل هو حقوقي أم صحفي؟ أم أنه هو الوحيد الذي جمع بين الإثنين؟ لنبتعد عن عضوان قليلا ولنتحدث عن صحفيين أمريكيين كـ بوب وود ورد و كارل برنستين الذين أدت تحقيقاتهما إلى فضيحة ووترجيت التي أودت برئاسة الرئيس الأمريكي نيكسون عام ١٩٧٤: فهل عملهما هذا لا يصنف ضمن النشاط الحقوقي؟
يمكن التفريق بين التفاح والبرتقال لأنهما ينتميان لنفس الصنف (الفواكه): فلا يمكن للتفاحة أن تكون برتقالة. لكن أي محاولة لرسم حدود بين التفاح واللون الأخضر ستكون صعبة، لأنه مثلما توجد تفاحة حمراء توجد أيضا تفاحة خضراء. ونفس الأمر يتعلق بمهنة الشخص وموقفه السياسي، قد يكون الصحفي حقوقيا، وقد يكون محافظا، وقد يكون محض بوق للسلطة يبرر أخطائها ويدافع عن ظلمها، وقد لا يكون له أي علاقة بالسياسة تماما كصحفيي الرياضة والفنون وغيرها.
ومن هذا كله عندما يختصر عضوان الصحفيين بأمثال سعود الريس أو هاني الظاهري وينسب لهم موقفا سياسيا محددا مقابلا لموقف من يدعوهم “حقوقيين” فهو لا يقوم بأكثر من اختراع صراع لا يوجد إلا في رأسه، فلا الصحفيين على ملة واحدة، ولا يمكن اختصارهم إلى هذان الشخصان، وليس “الحقوقيين” على ملة واحدة أيضا ولا يعدم أن يكون من بينهم صحفيين.
فأصل المقابلة هنا – علاوة على أنها مضحكة- هي متوهمة أيضا.
– لنفترض جدلا وجود هذه الكيانات المتوهمة، ولنرَ ما هي العلامات الفارقة التي يضعها عضوان لكل واحدة منهما:
أ- الحقوقيين: يطالبون بالملكية الدستورية، يطالبون بتطبيق نظام الإجراءات الجزائية، ولكنهم يضيقون بمن يخالفهم بمطالباتهم ويستسهلون الاتهام بالخيانة.
ب- الصحافيين: يرون الحقوقيين يزايدون على الوطنية، ويستغلون مسألة الدفاع عن الحقوق لتحقيق مصالح شخصية، ويدافعون عن أي شي ويرفضون التعاطف مع قضايا المعتقلين…
حسنا، أنا ويوسف الأحمد نتفق على المطالبة بتطبيق نظام الإجراءات الجزائية، هل يمكن بحال وضعي أنا والأحمد في سلة فكرية واحدة؟ طبعا لا. وهذا الأمر، هو الذي لا يستطيع عضوان ومن معه فهمه، وهو أن الحقوق ليست “توجهات فكرية” حتى نتفق ونختلف عليها، الحقوق هي ما بها يكون الإنسان إنسانا، ومثلما أننا لا نختلف على رفض أي قانون يمكن الحكومة من اقتلاع أعيننا وألسنتنا وآذاننا، لأنها جزء منا، فإننا أيضا لا نختلف على رفض أي قانون يمنعنا حريتنا وحقنا في التعبير والتفكير وغيرها. واشتراكي مع يوسف الأحمد في المطالبة بتطبيق النظام هو مثل اشتراكنا في أن لنا عينان وأنف ولسان، اشتراك في كوننا نريد أن نحيا كبشر، لا كبهائم؛ وهذا الاشتراك لا يعني أبدا اشتراكا أيديولوجيا أو فكريا.
وانطلاقا من هذا التوصيف يصبح وصف المشتركين بمطالبة بحقوقهم الانسانية الاساسية والمدافعين عن حقوق إخوانهم من البشر، أنهم مشتركين في أيديولوجيا أو توجهات فكرية، هو توصيف باطل ومرفوض… بل هو على العكس تماما، أي اشتراك بين المختلفين على ما يجمعهم كبشر لا كمنتمين لتيار فكري أو غيره.
وبالتالي تصبح كلمة “الحقوقيين” لا تعني أكثر من مجموعة من البشر ذوي توجهات فكرية مختلفة لكنهم يتفقون على المطالبة بحقوق الإنسان الأساسية، ويقفون سوية ضد تجاوزات الدولة لقوانينها التي وضعتها، وتعديها على حريات الافراد بحبسهم وايقافهم ومعاقبتهم بدون الالتزام بقانون واضح وعادل. ومن هنا تسقط كل العبارات التي يذكرها عضوان من أمثال: “يعتبر الحقوقيين” و”ينظر الحقوقيين” و”يقول الحقوقيين”، لأننا هنا لا نتكلم عن حزب أو تنظيم أو طائفة دينية بل عن “مختلفين”.
أما من يسميهم عضوان بـ(الصحافيين)، فهم ليسو عموم الصحفيين الممتهنين هذه المهنة في الإعلام السعودي، بل هو يقصد تحديدا تلك الأبواق الصحفية التي تدافع عن الدولة وتلمعها وتبهرها مهما فعلت – خيرا كان أو شرا- تعتبر كل ذلك خير وحكمة ولا تستطيع أن توجه أي انتقاد بسيط لها. الأبواق الصحفية نفسها التي كانت قبل سنوات موجهة ضد الصحوة والإسلاميين تم تغيير وجهتها بعد الثورات العربية لتستهدف هذه المرة من يطالبون بحقوق الناس. وحصر عضوان وصف هؤلاء بالصحفيين: تسطيح، وظلم لبقية زملاء المهنة، بل تدنيس لمهنة الصحافة نفسها التي يفترض فيها أن تكون دقيقة ومتحرية للحقيقة في نقلها للوقائع، في حين كل ما يقوم به هؤلاء هو التكسب منها عبر بيع أنفسهم للسلطة.
فعلى افتراض أن هذه الفئات التي يتحدث عنها موجودة، فهو يقوم بتشخيصها تشخيصا بالغ الفساد: يجمع المختلفين فكريا تحت سلة واحدة يسميها (الحقوقيين) وينسب لهم آراء واقوال وافكار رغم ما يجعهم هي الحقوق وليست الأفكار. وبالمقابل، يختصر الصحافيين ومهنة الصحافة في مجموعة من المرتزقة والأبواق، ويتعامل معهم وكأنهم تيار فكري.
– الهاشتاق وسيلة تقنية في تويتر تسهل تتبع الحديث عن موضوع محدد، قد يكون هذا الموضوع: شخص، وقد يكون فكرة، وقد يكون أي شي يمكن تصوره. ومحاولة عضوان لوضع آداب وأخلاقيات لاستخدام الهاشتاق، ومتى يجب استخدامه ومتى لا يجبك؛ إحدى طرائف العصر، إذ أن الصحفي الذي رهن حياته الصحفية لمحاربة الاسلاميين والصحوة، انتهى أخيرا واعظا ومربيا فاضلا يعلمنا كيف نستخدم تويتر.
من لا يريد أن يكون موضوعا يتحدث به الناس سواء بخير أو بشر، عليه ألا يقوم بأي نشاط علني وأن يحصر نفسه في مجال حياته الخاصة تماما. أما من قرر الظهور للعلن، فعليه أن يتحمل تبعات ذلك، فسيجد من يعجب به، ومن ينتقده، ومن يسخر منه، ومن يمدحه ومن يشتمه. أما أن يفعل مثل سعود الريس ويظهر للعلن ويقوم بالتحريض العلني ضد من يختلف معهم، ثم يزعل أو “ياخذ بخاطره” إذا قام أحدهم بالسخرية منه ونقده نقدا لاذعا، فهذا مثله مثل من “يبي توت” كما نقول في عاميتنا.